خواجه نصير الدين الطوسي
15
جواهر الفرائض ( الفرائض النصيرية )
من خلالها . وعليه ، فهذا الكتاب ، وإن كان كتاباً كلاميّاً ، إلّا أنّ أسلوب الخواجة نصير الدين فيه برهانيّ ؛ إذ المتكلّم يعرض كلامه على أساس الجدل ، والخطابة أحياناً ، والحال أنّ الجدل يستند إلى المشهورات والمسلّمات ، بينما نرى في هذا الكتاب أنّ الخواجة لا يستند إلى ذلك أبداً ، بل يسعى جاهداً أن يكون كلامه برهانيّاً . اشتهر اسم المحقّق الطوسي في العصر الحاضر في علم النجوم ، إذ لابدّ لأيّ باحث غربيّ أو فلكيّ أن يذكره كمؤسّس لأوّل مركز تحقيقات نجوميّ في العالم قبل ثمانمائة عام . وكان هذا المركز العلمي - لسنين متمادية ، قبل أن تأخذ الدراسة شكلها الحالي - يعدّ المرجع الأساس والأدقّ لما يحتاجه علماء الصين وسائر البلاد الإسلاميّة والغربيّة ، وكثيراً ما كانوا يعتمدون على ما يقدّمه من معطيات . لم يتمّ التعرّف - حتّى الآن - على هذه الشخصيّة التاريخيّة الهامّة مع جميع ما قدمته من خدمات ، بل يجب أن يكتب حول علمه في الرياضيّات والنجوم والسياسة ، كما يمكن لعلماء الاجتماع أن يدرسوا هذه الشخصيّة من منظار علم الاجتماع أيضاً . وكلّما أمعنا النظر في هذا الرجل سوف تظهر الجامعيّة العلميّة التي يتمتّع بها ، واللطيف في المحقّق الطوسي أنّه لم يكن يمزج بين العلوم أبداً ؛ بل كان في الكلام رجلًا متكلّماً ، وفي الشعر شاعراً ، وفي الرياضيّات عالماً رياضيّاً ، وفي الفلسفة فيلسوفاً ، وهكذا في السياسة ؛ حيث كان سياسيّاً قديراً في زمن مليء بالتناقضات والفوضى السياسيّة . وكان عند بحثه في أيّ علم ، يظهر وكأنّه لاخبر له عن غيره من العلوم من شدّة تضلّعه فيه . لقد احتلّ الفيلسوف والمتكلّم العظيم الخواجة نصير الدين الطوسي مكانة رفيعة في هذا العلم في القرون الوسطى ، والحقّ أنّه ينبغي على كلّ إنسان مثقف أن يطّلع جيّداً على حياة هذا الرجل العظيم وآرائه الفلسفيّة والسياسيّة .